

لم يعد الإعلام تلك الوسيلة النظيفة التي تنقل الأمور كما هي، ولم يعد المجتمع يثق بما ينقل في الإعلام بمختلف وسائله، وخصوصاً التلفاز، حيث بدأ تصنيف القنوات الفضائية منذ زمن، وخصوصاً أحداث غزة الأخيرة جعلت هناك خندقين إعلاميين ، واحد للعربية والآخر للجزيرة، وقبل الحادثة كنا نتعامل بجفاف مع قناة الحرة كونها قناة أمريكية موجهة للعرب، وكذلك إذاعة سوا التي ظهر في أيام مجد الإذاعات سابقاً والتي وجهت لنا من قبل الولايات المتحدة.
كل هذا ممكن أن نقبل به في الحديث عن القضايا السياسية، والتي ممكن اعتبارها تأثير أمريكي على توجهاتنا وآرائنا نحو القضايا السياسية، والتي تجعلنا نقول عن الفلسطينيين أنهم ارهابيين، والعمليات الاستشهادية أنها انتحارية .
في رأيي ، كل هذا ممكن أن يهون ، ذلك أننا نعرف القضايا التي أمامنا، ونعرف حقيقة الموقف الفلسطيني، ولذلك فإن المحاولات ربما تؤثر في أناس دون آخرين، أو أولئك الذين لم يطلعوا على حقيقة القضية.
لكن المصيبة الحقيقية هو ما يحدث في صحفنا المحلية حالياً ، حيث تشهد الصحف المحلية منذ زمن عملية ” اختراق” احترافية! ، حيث تم تجنيد عدد من الصحفيين الذين يخلعون الأمانة كما يخلعون قمصان النوم قبل أن يحضروا للصحف المحلية! ، ويتسبب ذلك في رسم صورة يومية للمواطن مغايرة لما يحدث !
كيف يحدث هذا ولمصلحة من؟
سأذكر ذلك بإيجاز ، هناك عدد من المستفيدين وهم:
شركات الدعاية والإعلان والعلاقات العامة
سفارات دولية
وأشخاص لم يلتزموا بالأمانة الصحفية
كنا في السابق نعتقد جازمين بأن قضايانا ومشاكلنا ستطرح في الصحافة ليتفاعل معها الجمهور ويطلع عليها المسؤولين ويبحثون لها عن حل، وإن يكون بسبب حرصهم على العمل مقابل حرصهم على السمعة الحسنة لدى كبار المسؤولين.
أما الآن فليس لقضايانا أي اهتمام، أصبحت الصحيفة تطالعنا بمدرسة متهالكة، وشخص فقير، وتغفل مشكلات الصحة الكثيرة، وانحدار التعليم، ومشكلاتنا مع بعض القطاعات الخدمية، إنها السياسة الجديدة التي تتم “بشراء” ذمم الصحفيين ومدراء التحرير أو مسؤولي الدسك، أو التهديد باستخدام وسائل إعلانية وهي بالتأكيد مصدر الدخل الأبرز لهذه الصحف.
سأضرب لكم بعض الأمثلة:
- منذ متى لم نشاهد إعلاناً يتطرق لمشكلة محافظة أو قرية من إنقطاع الأبراج أو انعدامها؟! أو مشكلة في الفواتير او الاتصالات أو DSL بل كلنا مرت به مشكلة ، وأنا أولكم قررت الغاء هاتف ولكن لم يتم تنفيذ الطلب حتى تجمعت الفواتير 1300 ريال! .
كل هذه المشكلات تتعلق بالاتصالات السعودية، ومنذ سنوات لم أشاهد شكوى لهذه الشركة في بعض الصحف ومن أبرزها صحيفة الرياض! وأذكر مرة شاهدت طلباً لأهالي قرية في جازان لتركيب برج، وبعد يومين بالضبط الاتصالات تتفاعل مع الطلب وتزود الجريدة بصورة للبرج بعد تركيبه! أي استخفاف هذا وكيف استطاعوا أن يدبروا برجاً ويركبوه خلال يومين إذا ما علمنا أن مشاريعهم تتأخر بسبب ترسيتها على شركات مقاولات مختلفة … فأصبحت هذه دعاية مجانية للشركة !
وببساطة .. شكوى المواطن الغلبان لن تضيف للصحيفة شيئاً بل قد تخسر عميلاً ” ثرياً ” بالإعلانات التي تتجاوز مبالغها عشرات الملايين ! ، أي شخص سيقدم المصلحة العامة ” لشركة خاصة” على حساب إعلاناتها وهي مصدر الدخل الوحيد ؟! ، أنا لا أبرر للصحيفة ولكنني أريد أن أزيل الثوب الملائكي التي ترتديه مؤكدة وقوفها مع القضايا ودعمها للمواطن ، طبعاً في قضايا مثل الهيئة وتغطيتها لافتتاحات ومعارض لا تسمن ولا تغني من جوع.. أو لقاءات رياضية ( وبالمناسبة لا تخلو من دعاية هذه أيضاً )
وفي الصورة الموجودة بداية التدوينة تفسير واضح لسلطة المُعلن على المادة المقدمة في الصحف، وتدخلها لتغيير نمط المؤسسة الإعلامية، إذن .. المؤسسات الإعلامية ليست نزيهة!، أو لا تملك نفسها حرية التحكم بالنشر! ، وكيف أن المعلن استطاع أن يقفز من محيط مساحة الإعلان إلى أن يدير عقول مدراء التحرير وإيصال رسالة لا يمكن أن تنسى: إذا نشرتم أي خبراً مسيء عنا فسوف نمنع نشر إعلاناتنا لديكم ( والإعلانات تصل سنوياً من 20 مليون إلى 100 مليون) وهي تنصف بأنها مدخول مهم ورئيسي للمؤسسات الصحفية التي لا تصل أرباحها بعيداً عن 200 – 300 مليون.
هذا إذا ما استثنينا أن الشركات تُعين موظفين لها داخل الصحيفة، أو تعين صحفيين متعاونين بمبالغ ممتازة دون الزام بالحضور والانصراف !! بمعنى : أنه مبلغ لتحسين صورة هذه الجهة قدر الإمكان، ومتابعة أخبارها ” التحريرية” والاهتمام بها.
- سمعت من بعض الأقارب أن هناك صحفيين يتبعون لشركات الدعاية والإعلان فيكتبون عن المعارض والنشاطات التي تنظمها هذه المؤسسة، ويطبلون “طبعاً” للجهة والوزارة المنظمة لها، إلى هنا الأمور مقبولة جداً ، وسمعت أن من عملها ( تبييض) صورة الجهة الحكومية في الصحف المحلية وذلك عبر استكتاب صحفيين لمدح والتطبيل لجهود الجهة والثناء على وزيرها!
هذا يدخل كله فيما سمعت ، لكنني شاهدت وجلست وتعاملت مع شركة جاءت إلى جهتنا لتعرض خدماتها في الدعاية والإعلان ” ظاهرياً ” ، ومدح جهتنا صحفياً لتغطية الانتقادات و “العذاريب” الموجودة فيها … بل أنني صُدمت لدرجة الإغماءة ! بأسماء صحفيين في صحف مختلفة مأجورين ويتلقون الأوامر ” والمبالغ” من هذه الشركة مقابل التطبيل والمدح ، طبعاً هذا الجانب الإيجابي لمثل هذه الشركات
الجانب الأسود، أن الشركات تعتقد بأن هناك رفضاً قاطعاً لهذا الأسلوب من قِبل الجهة المستهدفة وأنه ليس من الأخلاقيات والادبيات! أو ترى بعض الجهات ” لا حاجة” إلى المدح وتحسين الصورة ، لذا .. تعمد الشركات إلى تحفيز الكتّاب إلى ” ذم ” هذه الجهة ، وسوف أضع لكم مثالاً …
وزارة التربية والتعليم ، هدف قادم للشركة، الخطوات المتبعة:
1- تحفيز الكتاب وأصحاب الأعمدة والمراسلين إلى نشر أخبار ” سلبية” ( سقوط باب مدرسة على طالب) ، ( مدرس يعتدي على تلميذ) ، ( مدرسة في جازان بلا كراسي) ، ( مدير مدرسة يهمل المدرسة ويعمل في مكتب عقاري ) !
2- ارسال مندوب رفيع المستوى من الشركة لمقابلة مدير العلاقات العامة في الوزارة أو أحد وكلاء الوزارة وعرض عليه خدمة تحسين العلاقات العامة للوزارة، وإظهار الأشياء الإيجابية و وو
3- يتم توقيع عقد ( لا يقل عن 500 ألف إلى ما شاء الله ) وتتولى الشركة متابعة أخبار الوزارة ، إنشاء ملف صحفي، وغيرها من الخدمات التي يتفقون عليها.
4- تعمد الشركة الكتاب وأصحاب الأعمدة والمراسلين إلى نشر اخبار ” إيجابية ” ( مشروع تطوير يدشن 50 مدرسة مثالية ) ، ( إنشاء فصول ذكية في مدارس جدة) ، ( الوزارة تشارك في معارض دولية) ، ( رضى كبير للمعلمين بحركة النقل ” وكم لقاء مع مدرس ” ) .
أرأيتم ! من الأخبار تولد المبالغ والدراهم ويعيش ناس من خيرها ، أصحاب الشركات يتحججون بأنهم لا يكذبون! ، لكن الذي فعلوه .. أبرزوا الجوانب الإيجابية! وبالتأكيد إخفاء السلبيات …
كصحيفة: يجب أن تكون وسيلة إعلامية تنشر كل شيء …
كمتلقي: لا يهمه سوى ما يمسه شخصياً ويعالج وضعه ( لا تقعد تمدح لي وزارة الصحة، قلي كم مستشفى راح تفتح! ) .
طبعاً لنتذكر حملة ” خلوها تصدي” تم إسكاتها باوامر من مسؤولي الإعلام، نظراً لأن أصحاب المال تضرروا ، وقبل أن يتم الإسكات ، فقد قامت شركات بحملة إعلامية في الصحف التي لم تنشر أصداء الحملة أو أثارتها ، كعقاب لتلك الصحف التي نشرت الحملة وأظهرتها للمجتمع.
* السفارات الدولية:
صرح الأمير نايف بن عبدالعزيز ذات مرة أنه يعلم بارتياد البعض للسفارات الأجنبية وحذرهم من ذلك، وليس في ارتيادها أي مشكلة لكن الذي يحدث في هذه السفارات هي ندوات ثقافية أو نقاشات سياسية تتعرض لسياسات المملكة أو محاولة ” شحن” الحضور السعودية على القيادات، ومحاولة غرس مفاهيم غربية لرؤيتهم للحياة والمجتمع، وأغلب رواد السفارات مثقفين أو صحفيين نخبة من كتاب المقالات، فبعد تشبعه بالأفكار المطروحة في هذه الندوات، يقوم ببث سمه عبر عموده الصحفي، ويدعو إلى مفاهيم وقيم ، أو مهاجمة أنظمة وسياسات، أو إثارة المجتمع نحو قضايا دينية وتكبير القصص والمواقف الشخصية لجعلها موقفاً شعبوياً لتحفيز الدولة لاتخاذ قرارات فيها مثل: فتاة القطيف، دمج التعليم، القضاء، هيئة الأمر بالمعروف …
ولقد علمت بأن هناك كاتب مشهور يستلم ما يقارب 10 آلاف شهرياً من سفارة أجنبية لتمرير الأفكار والقيم التي يتناولها كل أسبوع في مجلس سفير أو مفكر أجنبي! ، أنا لا أقول أن نعالج قضايانا ونحاول أن نطورها، لكن أن يتم ذلك عبر دعم خارجي وفكر لا يناسب عاداتنا وتقاليدنا ، هذا لا يمكن أن نقبل به تحت أي شعار، ما أجمل أن تطور نفسك وفق عاداتك وطبيعتك، لأنك إذا سلكت الطريق الآخر فستكون مثل الغراب الذي ضيع المشيتين .
كل هذه الجهات المتدخلة في إعلامنا ( وكالات إعلامية) أو ( سفارات ) وغيرها … لا يمكن أن تتدخل دون وجود ” بوابة” لتنفذ منها ، وللأسف أن هذه البوابة هم من أبنائنا السعوديين والذين يدعون ويطالبون بـ الحرية الإعلامية !
لقد اصيبت الصحف السعودية بمرض أنصاف الصحفيين والمحررين، الذين لم يعد يجرون للبحث عن المعلومة، بل أصبحت المعلومة تأتي جاهزة وبالصور لتنتظر النشر في الصحيفة ووضع اسمه عليها ، ولقد لمست ذلك في كثير من المناسبات والمؤتمرات الصحفية، فتجد الصحفي يسأل هل ما يذكر في داخل المؤتمر مطبوع على الحاسب ليأخذه جاهزاً للنشر، ولا يعاني من تفريغ شريط ونحوه ، أنا مع التطوير وتسهيل عمل الصحفي، لكن ما يحدث هي معلومة واحدة وباختلاف الصيغ المنشورة لئلا يكون هناك تشابه مع ما ينشر في الصحف الأخرى.
الصحفي المتعاون أو الذي ياخذ مكافأة متواضعة يجد في عمل الوكالات والسفارات دخلاً ثابتاً بغض النظر عما ينشر، فهم يعتقدون أن مهمتهم تقتصر على النشر وحسب ، وليس هناك أية مشكلة في ذلك، ويعتبر أن القارئ إذا فهم أي شيء من هذه المادة المنشورة فهي مشكلة القارئ ولا أحد غيره !
أخيراً .. حينما تكون وجهة الشركات الكبرى إلى تحسين صورتها عبر الضغط على الصحف المحلية بعدم نشر أخبار مسيئة مقابل سريان عقدها الإعلاني ! ، وحين تضعها كخيار مشروع لها ضاربة بعرض الحائط مصلحة المواطن المستفيد من خدماتها والمستثمر في أسهمها أيضاً !! .. فهذه خيانة من الشركة .. ومن الصحيفة !
ولم تعد الصحافة .. صحافة بل : … افة
شكر وتقدير لصديقي زياد على مساعدته لي في اختيار الصور ..