
لسبب أو لآخر أصبحت مستشاراً إدارياً للأصدقاء! يرجعون إليّ في حال وجود مشكلات في عملهم، ظناً منهم أنني مرتاح في عملي وأنني أعيش في بيئة جميلة !
وأنا في الواقع لا أخفي معلومة تقول: أن كل جهة تضم الجيد والسيء ، بلا استثناء حتى في أعرق الشركات و ” أطهر” البقاع وفي أكثر المنظمات تميزاً واحترافية في العمل، وذلك أن السوء لا يرتبط بالاخلال في المهام الوظيفية، بل يتعداه إلى القضايا الشخصية ووجود أحقاد أو أطماع مختلفة.
ومؤخراً لاحظت في مقر عملي وخارجه من بيئة الزملاء والأصدقاء أن هناك حالة من السخط! بسبب مشكلات في العمل، وهذا الأمر تسبب في انحدار مستواهم، وقلة اهتمامهم بالعمل، ووجدت بعض الأسباب التي ممكن تؤدي لهذا الشعور وهي:
وجود مواقف شخصية ضد الموظف بسبب تصرف ما
أن الموظف مخل بواجبات عمله ( التأخر و”المفاخت” وقت الدوام ، قلة انتاجية)
تصيد الأخطاء وإغفال الإيجابيات
والحقيقة أن كل هذه النقاط ترجع مسؤوليتها للموظف، إذ أن التعامل الحسن والعمل بروح النظام يحمي المرء من وجود ( مواقف شخصية) ، والالتزام بالنوم المبكر والابتعاد عن السهر والاستراحات ومقاهي الشيشة يجنبه من مخاطر ( التأخر) ، والتركيز على العمل وترك كل ما يشغله من انترنت أو اتصالات هاتفية أو أحاديث جانبية مع الزملاء يمنعه من ( قلة الانتاجية) ، والنقطة الأخيرة سيكون حلها عبر تدوينتي لهذا اليوم ، وهي عن التقارير
احترت كثيراً في اختيار مسمى التدوينة، هل هو سلاح قوي، أم درع حصين ! هل التقارير وسيلة للهجوم أو الدفاع ، وبصراحة يمكن أن تستخدم في كلتا الحالتين مطبقاً نظرية جميلة تقول: السم والدواء يصنعان في العادة من مادة واحدة ولكن باختلاف النوايا! ، وهكذا هو التقرير ، فيمكن أن يكون هجومياً إذا رغبت أن تثبت للآخرين بأنهم ” هم ” المهملين وأنت الذي تنجز عملك ، أو أن تدحض كل الافتراءات والاتهامات التي تنحصر في كلمة واحدة: وش سويت لنا ؟! ، وذلك عبر التقارير.
ماهي التقارير:
التقارير هو عبارة عن نشاط كتابي يتم تدوين أحداث يوم العمل ( ما الذي تم إنجازه، وما الذي تبقى ) أو رصد لمشاركة في ملتقى أو تقرير ختام مهمة عمل تم إيفادك لها، فتكتب لمديرك عن المهمة وما الذي دار فيها بشكل واضح …
أهميتها:
ترجع أهمية التقرير إلى أنها ( حفظ للحقوق) فهي التي تثبت جهودك وتبين عملك، فإذا كنت تنجز أعمالاً كثيرة فهي ستكون دافعاً لفرض تقدير الآخرين لك ولجهودك، وبصراحة أنا تعرضت لإحدى التجارب العملية ” السيئة” في شركة عملت بها في بدايات حياتي العملية، وسبب انتهاء العلاقة هي مقولة: انت الحين لك سنة وش سويت فيها!
في نفس اللحظة ستتفاجئ بالسؤال، ولن تجد إجابة مناسبة تشفي الغليل، فسوف تذكر عمل أو عملين وتنسى البقية … لكن لو كنت تقدم تقريراً أسبوعياً بأعمالك لما وجد أحد عليك زلة واحدة ( إذا كان عملك في الأسبوع يسوى! ).
كما أن التقارير تعطي نوعاً من الاحترافية في العمل، فلن يحتاج مديرك ليتصل بك كل يوم ليعرف ما الذي أنجزته من عمل، يكفي أن تصبح عليه بتقرير أعمالك لليوم الفائت، سيعلم تماماً ما هو برنامجك لهذا اليوم ، وحينها لن يكلفك بمهمة صعبة وهو يعرف أن لديك مشاغل ” الدنيا والآخرة” .
لا أملك سلطة على زملائي الموظفين ولكنني أحثهم قدر المستطاع أن يزودوني بتقارير لأعمالهم ليتم ترتيب جدول لمهام الإدارة وأفكارها للأيام القادمة، أعتقد أن هذا الأمر سيدخل حيز التنفيذ متى ما تغيرت الإدارة وحل إداري جديد يؤمن بالتطوير حينها ستكون فكرة التقرير فرض عين ! ، وللأمانة أرى أنها تفرض في البداية لكي يتعود عليها المرء فيما بعد، وتكون سهلة تماماً مثلما يكتب إيميلاً ساخراً لزملائه!
والتقرير يدعم النظرية الشهيرة 80/20 ، إذ أن 80% من الأعمال يتم إنجازها بجهد 20% .. وكذلك التقارير، وأنا أضرب بنفسي مثالاً حيث صادفت مشكلة عويصة في العمل تتمثل في كتابة تقارير شاملة لأي مشروع من أوله وحتى نهايته، وبالتأكيد أقل مشروع عمره الزمني 3 أشهر! ، فيحتاج أن تقلب الملفات طيلة الثلاثة أشهر وتعصر الذاكرة لتعرف الترتيب الزمني للأحداث كي تبني عليها تقريرك … كل هذا سينتهي بوجود تقرير يومي أو أسبوعي تكتبه عن مواضيع مختلفة ومنها كل مشروع في نقاطه المحددة .. فلن تستغرق إلا ساعة أو ساعتين للجمع والتنقيح ليخرج تقرير جميل وأنيق .
لكن البعض يقول بأنه متى ما حدث ( استقعاد) من الإدارة تجاه الموظف فإن العمل سيكون سيئاً ، وأنا أرد على ذلك بتجارب شخصية لعدد من الزملاء، أحدهم كان يحاسب على كل دقيقة تأخير فتجمع له نهاية الشهر ثم يتم خصمها من راتبه، بالتأكيد لن تتجاوز 60 ريالاً لكن الأثر النفسي داخل الموظف يقول: وش هالقلق تحاسبوني على التأخر بالدقيقة مافيه مراعاة لشغلي و و وو ..
فأخذ على عاتقه تحدٍ جديد، فأصبح يستيقظ باكراً وقاطع الجلسات التي تتجاوز العاشرة مساءً ، وتأقلم مع هذا النظام، فلم يجد أحد عليه مدخلاً ! بالإضافة إلى أنه يوافي مديره بالتقارير اليومية، النتيجة : أن المدير العام لتلك المنظمة اتصل شخصياً بالموظف وطلب مقابلته! وتم تعيينه في مكتبه الخاص لما سمع عنه ” من أطراف أخرى” أنه جيد ويؤدي عمله بكل إخلاص … انظروا تجاوز نطاق مديره المباشر ليصل إلى المدير العام! هناك بالتأكيد أفراد ينظرون للموظفين بكل إيجابية .. سوف تثير اهتمامهم بتقاريرك!
للأسف أحياناً نتعاطى مع العمل على أنه قضية شخصية.. ولذلك فإن المدير حينما يتعامل ببرود أو ” بصوتٍ مرتفع” نظن أنه يسيء لنا وتبدأ دوامة: أنا منيب خادم عنده … ، بينما يفترض أن تعامله كما يعاملك! حينما يفرض سيطرة كبيرة في العمل يجب أن تعطي له هذه السيطرة مقابل ألا تمنحه جزءاً من اهتمامك خارج العمل! ، أسمع تماماً عن الموظف الذي يتميز بعلاقات جيدة مع مديره فيتناولان العشاء معاً ويسافران في اجتماعات عمل موحدة .. لكن لو كان سيئا ً في العمل، يجب ألا أفسد عملي! وأفسد رزقي .. أحوله إلى الدرك الأسفل في الجانب الشخصي فأتعامل معه برسمية زائدة واتجنب كل المثيرات لأي ضجة قد تحدث .. ولذلك فإن كان يتعمد أن يجعل شخصيته صارمة في العمل، وحينها لن تكون لدي القوة أن أفعلها معه، يجب ألا ” أخلي في خاطري شيء” وأعوضها في الإجازات واللقاءات العابرة! > > تفريغ نفسي فقط مع أنني شخصياً أفضل أن أعطيه اهتماماً بالغاً محترماً شخصيته … الأمر يرجع لك
أذكر أن أحد العاملين في شركة تجارية مرموقة في المملكة، يحمل شهادة سكرتير تنفيذي من معهد الإدارة ، ويعمل سكرتيراً لدى أحد المدراء .. فلاحظ الرئيس التنفيذي لتلك الشركة أن التقارير التي يحضرها ذلك المدير تغيرت وأصبحت أكثر جمالاً واحترافية .. والعروض المرئية أصبحت تُعد بشكلٍ جميل ، فمن ” بعيد لبعيد” عرف أن هناك موظفاً جديداً توظف لدى ذلك المدير، فقام بطلبه وعينه عنده براتب ضخم ضعف الراتب الذي كان يتقاضاه عند المدير السابق!
صدقني: العمل الجيد سيُعرف صاحبه حتى وإن لم يضع عليه اسمه ( وهو بالمناسبة إحدى عيوب الدوائر الحكومية إذ أن التقارير ترفع باسم مدير الإدارة ولا يشار من قريب ولا بعيد إلى الموظف الذي قدمه، لكن الأسئلة الجانبية والعلاقات بين الموظفين ستوصل الأمر للمسؤولين، وقبل كل ذلك .. التقارير التي يعدها الموظف سبب كافي لتميزه وحفظه لحقوقه) .
كل الأسئلة المستفزة، وكل التقارير السنوية عن أداء الموظفين سوف تكون أنت الرابح الأكبر فيها، بشرط .. أن تحافظ على قدسية العمل ( الالتزام بالعمل، الأناقة، احترام الجميع) + تقارير دائمة عن عملك.. نصف صفحة أو صفحة أسبوعية ستجعلك مميزاً ..
وختاماً، لا أنكر أنني أعجبت بهذه الفكرة التي كان يطبقها أخي العزيز في جمعية خيرية! ووجدتها وسيلة ناجحة للمتابعة دون الحاجة بالاتصال بكل موظف للسؤال عن جزئية ما ، كما أنني لاحظتها في د. زيد الرماني ، وهو عضو هيئة تدريس في جامعة الإمام وكاتب صحفي يندر ألا يعرفه أحد! ، فلا يقدم على شيء إلا ويكتب عنه تقرير ، وأعماله مرتبة بشكل مذهل جداً جدًا جداً ، يكفي أنه أعد تقريراً تجاوز 300 صفحة لأعماله في سنة واحدة ! ، بالمناسبة أعتقد أن هذا التقرير لم يتجاوز إعداده بضعة أيام! >>> هذه أمثلة أفتخر بها كثيراً وأعتبرها نقطة مميزة أطمح للوصول إليها .. وتجاوزها ايضاً .
أثناء إعداد هذه التدوينة وردني اتصال من زميل كان يعاني من مديره وعتابه الدائم له ، لكن نظرة مديره تغيرت تماماً حينما بدأ بإعداد تقارير للأعمال التي يُكلف بها، أصبح يحترمه كثيراً ويردد: هذا المستوى الي ابيك توصل له …
هل يريد أحد أن يصل لهذا المستوى؟!