
ملابس بلا أجساد! هكذا يكون الحال بدون حوار
ينظم مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني لقاءات في مختلف مناطق المملكة خلال هذا العام 1430هـ تحت عنوان: الحوار الأسري، معوقاته، وطرق تفعيله.
وبغض النظر عن دور المركز وأثره في مثل هذه اللقاءات ، إلا أن فكرة هذا اللقاء وموضوعه شدني حينما تأملت فيه لثوانٍ.
الحوار الأسري
- هل لدينا حوار أسري أصلاً ؟!
- وإذا كان الحوار موجوداً ، فهل هو ناجح وفعّال ؟
من وجهة نظر شخصية، سأحاول أن أصل لإجابات عن هذه التساؤلات، وإن كان البعض سيتهمني بالسلبية!، ولكنني أرى – وبكامل قواي العقلية- أن الحوار الأسري مفقود في كثير من الأسر وخصوصاً السعودية، ويحل مكانها ” الصراع” ” الخلاف” الأسري، وذلك لعدة أسباب:
- توجد ثقافة خاطئة تعززها الأسرة بأن الشاب هو رجل وهو المحق وكلمته يجب أن تمشي على الزوجة كي تخاف منه وتحترمه! .
- وفي المقابل، تعزز ثقافة أن المرأة يجب أن تسمع كلام زوجها وتخنع له وتكون منفذة لجميع أوامره وطلباته، ولا تتذمر ولا تبدي الشكوى، وبذلك سوف تنال رضى الزوج.
- الأب دائماً مصدر خوف من الطفل حينما يخطئ، أو حينما يهم بشيء فتحذره أمه: (ترى بأعلم أبوك! ) .
- الطفل يرى الأب متسلطاً على والدته وهي تنفذ جميع طلباته، فيحاول تقليده بالتسلط على أخواته!
وغيرها الكثير من الأسباب التي تجعلنا نؤمن بأن الحوار مفقود في الأسرة.
ولا أحد يجزم متى ظهر هذا الشعور بضعف الحوار داخل الأسرة وخصوصاً الزوجة ، مع أن لدينا أساس ديني نابع من القرآن والسنة النبوية الطاهرة، حيث يقول الله تعالى: {وعاشروهنَّ بالمعروف فإن كرهتموهنَّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا}، وقال في تعظيم حقهنَّ: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا}، وقال تعالى: {والصاحب بالجنب} قيل: هي الزوجة.
وفي أحاديث الرسول مواقف واستشهادات لطيفة عن تعامله – صلى الله عليه وسلم – مع زوجاته، نحو:
قالت عائشة – رضي الله تعالى عنها – : (قال صلى الله عليه وسلم : إني لأعرف متى تكونين عني راضية ومتى تكونين عليَّ غضبى. قالت: وكيف تعرفه؟ قال: إذا رضيت قلت: لا ورب محمد، وإذا غضبت قلت: لا ورب إبراهيم). فقالت – رضي الله تعالى عنها -: (صدقت إنما أهجر اسمك فقط يا رسول الله).
وكان يقول: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي).
ويقول : (استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج).
ومن تعامله الأسري ألا يستغني بالمشورة حتى من زوجته:
ومن ذلك استشارته صلى الله عليه وسلم لأم سلمة في صلح الحديبية لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم القضية بينه وبين مشركي قريش ، وذلك بالحديبية عام الحديبية ، قال لأصحابه : قوموا فانحروا واحلقوا ، قال : فوالله ما قام منهم رجل ، حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد ، قام فدخل على أم سلمة ، فذكر ذلك لها ، فقالت أم سلمة : يا نبي الله ! اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم بكلمة ، حتى تنحر بدنك وتدعو حلاقك فتحلق ! فقام فخرج فلم يكلم منهم أحدا ، حتى فعل ذلك ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضا ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما.
وأعظم من ذلك، أنه صلى الله عليه وسلم يساعد في عمل بيته:
(سُـئلت السيدة عائشة رضى الله عنها ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته ؟ قالت : كان يفلي ثوبه ، و يحلب شاته ، و يخدم نفسه).
وغيرها الكثير من المواقف النبوية التي تدل على أن الحياة الزوجية ليست سلطة أو سيطرة، بل هي علاقة شراكة وتكامل، ففي الرجل قوة تظهر عليه ولكنه بحاجة للعاطفة، وكذلك الزوجة تمنح العاطفة ولكنها بحاجة إلى شخصية قوية تدعمها وتحميها، ومتى ما كانت هذه العلاقة ناجحة فإنها ستؤثر إيجابياً في شخصية الأطفال، ومتى ما كانت هذه العلاقة متوترة والتي ستؤدي إلى مشاكل و عنف وطلاق سري فإنها ستنعكس على الأطفال وتؤثر فيها بالسلب أيضاً .
ولهذا فإن إقامة هذه اللقاءات وما يصحبها من ورش عمل ودورات تدريبية ستؤدي إلى نتائج إيجابية جداً وستساهم في كشف مشكلة من أبرز مشاكل المجتمع السعودي وستحاول حلها بطريقة صحيحة وإيجابية، بعكس لو صدرت ” رواية” لإحدى الكاتبات أو الكتّاب وأثار المجتمع حول هذه القضية والتي سيصدر عنها ردة فعل عكسية لأسباب كثيرة ، وبالتالي لن يؤمن أحد بوجود المشكلة.
لننظر في حال الأطفال الآن وإلى مرحلة المراهقة، تجده مرفه في الغالب، متى تضجر أو داهمته نوبة بكاء سرعان ما نهرع إلى محل الألعاب ونحضر له لعبة غبية تصدر أصواتاً مزعجة ولا تنمي ذكاءً ولا تشجع موهبة، فيحتظنها في الليل وتضيع منه بعد يومين!! وإن كبر قليلاً ثم بدأت قدماه تأخذه نحو الشارع ويتعرف على صبية مثله فيكون الشيطان خامسهم ! فيوسوس لهم العبث بسيارة هذا وكسر مصباح جار والعبث في تراب الشارع حتى يراه والده فينهره ويضربه! ويمنعه من الخروج ويشدد على الأم بأن تخبره لو ( تعدى الجادة)، ثم إذا كبر قليلاً وصار يرد مجالس الرجال أو بمعنى أصح ( يصب ) القهوة لهم، تجده لا يشارك برأي وتتاح له فرصة الحديث بحجة الأدب والتسكيت وأنه لا يفهم شيئاً !، وإذا رسب في مادة تناوله أبوه بالضرب وأمه بالإساءة إليه أمام أخواتها ومعشر أصحابها و و و .
ثم إذا كبر وصعب عليه تعلم التعبير السليم وبدأ يخاف أن يبدي رأيه حتى لا يغضب الآخرين منه، فيكبر ويصبح (أبله ، أحمق ، سفيه) مع مرتبة الشرف الأولى .
تصدقون، كل هذا وأكثر تفرزه البيئة السيئة وانعدام الحوار الصحيح، وللأسف أن البعض وممن تنصبوا مكانة عالية يرون بأن الحوار مع الأبناء ما هو إلا ( تدليع) لهم ، ولكنني أرى بأن هذا التصور ناتج لأن الأب نفسه لا يفقه في فنون ومهارات الحوار، ولذلك فإن مركز الحوار الوطني ساهم في وضع دورات تعزز هذه الفكرة، ولا يشعر بأهمية الحوار ومدى قيمته إلا من تكونت لديه فكرة عن الحوار ومبادئه وطرق التعاطي معه.
لذلك أنا أدعوكم للاستفادة من هذه اللقاءات والدورات التي تعقد ( دورة عن الحوار بين الزوجين ، ودورة عن الحوار بين الآباء والابناء)
وستكون في مختلف مناطق المملكة، مع العلم أنها انطلقت في محافظة الأحساء منذ أيام .
أملي كبير في أن نتجاوز هذه الأزمة التي تمر بشريحة كبيرة من أفراد المجتمع السعودي، مع اعتقادي أن المجتمع القادم سيكون أكثر تفتحاً وسيقودنا بإذن الله لنتائج مبهرة، وخصوصاً فيما يتعلق بالحوار وتعزيز مبادئه وقيمه.
مرجع في عاطفة الرسول مع زوجاته
تعليق المشرف العام على الحوار الأسري
خبر صحفي