التدوينات الموسومة بـ ‘أحمد مطر’

08
مارس

حديث الأبواب

 

هذه القصيدة من روائع الشاعر العراقي: أحمد مطر

قرأتها في المرة الأولى في موضوع لصديقي ليزر ، نشره في إحدى المنتديات

ولقد وصلت لحالة من النشوة! التي يندر أن تحدث إلا مع الروائع والأعجوبة الحقيقية! ، وهي تكمن في هذا النص المتكامل – والكامل الله -

ستستمتعون حقاً

والله سوف تستمعون !

شكراً يا ليزر ، إنك تثبت للآخرين يوماً بعد آخر أنهم على خطأ ! لأنهم لم يفهموك بعد

هذا الموضوع برعاية: صدام حسين!

(كُنّا أسياداً في الغابة.
قطعونا من جذورنا.
قيّدونا بالحديد. ثمّ أوقفونا خَدَماً على عتباتهم.
هذا هو حظّنا من التمدّن.)
ليس في الدُّنيا مَن يفهم حُرقةَ العبيد
مِثلُ الأبواب !

(2)

ليس ثرثاراً.
أبجديتهُ المؤلّفة من حرفين فقط
تكفيه تماماً
للتعبير عن وجعه:
( طَقْ ) ‍!

(3)

وَحْدَهُ يعرفُ جميعَ الأبواب
هذا الشحّاذ.
ربّما لأنـه مِثلُها
مقطوعٌ من شجرة !

(4)

يَكشِطُ النجّار جِلدَه ..
فيتألم بصبر.
يمسح وجهَهُ بالرَّمل ..
فلا يشكو.
يضغط مفاصِلَه..
فلا يُطلق حتى آهة.
يطعنُهُ بالمسامير ..
فلا يصرُخ.
مؤمنٌ جدّاً
لا يملكُ إلاّ التّسليمَ
بما يَصنعهُ
الخلاّق !

(5)

( إلعبوا أمامَ الباب )
يشعرُ بالزَّهو.
السيّدةُ
تأتمنُهُ على صغارها !

(6)

قبضَتُهُ الباردة
تُصافِحُ الزائرين
بحرارة !

(7)

صدرُهُ المقرور بالشّتاء
يحسُدُ ظهرَهُ الدّافىء.
صدرُهُ المُشتعِل بالصّيف
يحسدُ ظهرَهُ المُبترد.
ظهرُهُ، الغافِلُ عن مسرّات الدّاخل،
يحسُدُ صدرَهُ
فقط
لأنّهُ مقيمٌ في الخارِج !

(8)

يُزعجهم صريرُه.
لا يحترمونَ مُطلقاً..
أنينَ الشّيخوخة !

(9)

ترقُصُ ،
وتُصفّق.
عِندَها
حفلةُ هواء !

(10)

مُشكلةُ باب الحديد
إنّهُ لا يملِكُ
شجرةَ عائلة !

(11)

حَلقوا وجهَه.
ضمَّخوا صدرَه بالدُّهن.
زرّروا أكمامَهُ بالمسامير الفضّية.
لم يتخيَّلْ،
بعدَ كُلِّ هذهِ الزّينة،
أنّهُ سيكون
سِروالاً لعورةِ منـزل !

(12 )

طيلَةَ يوم الجُمعة
يشتاق إلى ضوضاء الأطفال
بابُ المدرسة.
طيلةَ يوم الجُمعة
يشتاقُ إلى هدوء السّبت
بابُ البيت !

(13)

كأنَّ الظلام لا يكفي..
هاهُم يُغطُّونَ وجهَهُ بِستارة.
( لستُ نافِذةً يا ناس ..
ثُمّ إنني أُحبُّ أن أتفرّج.)
لا أحد يسمعُ احتجاجَه.
الكُلُّ مشغول
بِمتابعة المسرحيّة !

(14)

أَهوَ في الدّاخل
أم في الخارج ؟
لا يعرف.
كثرةُ الضّرب
أصابتهُ بالدُّوار !

(15)

بابُ الكوخ
يتفرّجُ بكُلِّ راحة.
مسكينٌ بابُ القصر
تحجُبُ المناظرَ عن عينيهِ، دائماً،
زحمةُ الحُرّاس !

(16)

(يعملُ عملَنا
ويحمِلُ اسمَنا
لكِنّهُ يبدو مُخنّثاً مثلَ نافِذة.)
هكذا تتحدّثُ الأبوابُ الخشَبيّة
عن البابِ الزُّجاجي !

(17)

لم تُنْسِهِ المدينةُ أصلَهُ.
ظلَّ، مثلما كان في الغابة،
ينامُ واقفاً !

(18)

المفتاحُ
النائمُ على قارعةِ الطّريق ..
عرفَ الآن،
الآن فقط،
نعمةَ أن يكونَ لهُ وطن،
حتّى لو كان
ثُقباً في باب!

(19)

(- مَن الطّارق ؟
- أنا محمود .)
دائماً يعترفون ..
أولئكَ المُتّهمون بضربه !

(20)

ليسَ لها بيوت
ولا أهل.
كُلَّ يومٍ تُقيم
بين أشخاصٍ جُدد..
أبوابُ الفنادق !

(21)

لم يأتِ النّجارُ لتركيبه.
كلاهُما، اليومَ،
عاطِلٌ عن العمل !

(22)

- أحياناً يخرجونَ ضاحكين،
وأحياناً .. مُبلّلين بالدُّموع،
وأحياناً .. مُتذمِّرين.
ماذا يفعلونَ بِهِم هناك ؟!
تتساءلُ
أبوابُ السينما.

(23)

(طَقْ .. طَقْ .. طَقْ )
سدّدوا إلى وجهِهِ ثلاثَ لكمات..
لكنّهم لم يخلعوا كَتِفه.
شُرطةٌ طيّبون !

(24)

على الرّغمَ من كونهِ صغيراً ونحيلاً،
اختارهُ الرّجلُ من دونِ جميعِ أصحابِه.
حَمَلهُ على ظهرِهِ بكُلِّ حنانٍ وحذر.
أركَبهُ سيّارة.
( مُنتهى العِزّ )..قالَ لنفسِه.
وأمامَ البيت
صاحَ الرّجُل: افتحوا ..
جِئنا ببابٍ جديد
لدورةِ المياه !

(25)

- نحنُ لا نأتي بسهولة.
فلكي نُولدَ،
تخضعُ أُمّهاتُنا، دائماً،
للعمليّات القيصريّة.
يقولُ البابُ الخشبي،
وفي عروقه تتصاعدُ رائِحةُ المنشار.
- رُفاتُ المئات من أسلافي ..
المئات.
صُهِرتْ في الجحيم ..
في الجحيم.
لكي أُولدَ أنا فقط.
يقولُ البابُ الفولاذي !

(26)

- حسناً..
هوَ غاضِبٌ مِن زوجته.
لماذا يصفِقُني أنـا ؟!

(27)

لولا ساعي البريد
لماتَ من الجوع.
كُلَّ صباح
يَمُدُّ يَدَهُ إلى فَمِـه
ويُطعِمُهُ رسائل !

(28)

( إنّها الجنَّـة ..
طعامٌ وافر،
وشراب،
وضياء،
ومناخٌ أوروبـّي.)
يشعُرُ بِمُنتهى الغِبطة
بابُ الثّلاجة !

(29)

- لا أمنعُ الهواء ولا النّور
ولا أحجبُ الأنظار.
أنا مؤمنٌ بالديمقراطية.
- لكنّك تقمعُ الهَوام.
- تلكَ هي الديمقراطية !
يقولُ بابُ الشّبك.

(30)

هاهُم ينتقلون.
كُلُّ متاعِهم في الشّاحِنة.
ليسَ في المنـزل إلاّ الفراغ.
لماذا أغلقوني إذن ؟!

(31)

وسيطٌ دائمٌ للصُلح
بين جِدارين مُتباعِدَين !

(32)

في ضوء المصباح
المُعلَّقِ فوقَ رأسهِ
يتسلّى طولَ الليل
بِقراءةِ
كتابِ الشّارع !

(33)

( ماذا يحسبُ نفسَه ؟
في النّهاية هوَ مثلُنا
لا يعملُ إلاّ فوقَ الأرض.)
هكذا تُفكِّرُ أبواب المنازل
كُلّما لاحَ لها
بابُ طائرة.

(34)

من حقِّهِ
أن يقفَ مزهوّاً بقيمته.
قبضَ أصحابُهُ
من شركة التأمين
مائة ألفِ دينار،
فقط ..
لأنَّ اللصوصَ
خلعوا مفاصِلَه !

(35)

مركزُ حُدود
بين دولة السِّر
ودولة العلَن.
ثُقب المفتاح !

(36)

- محظوظٌ ذلكَ الواقفُ في المرآب.
أربعُ قفزاتٍ في اليوم..
ذلكَ كُلُّ شُغلِه.
- بائسٌ ذلك الواقفُ في المرآب.
ليسَ لهُ أيُّ نصيب
من دفءِ العائلة !

(37)

ركّبوا جَرَساً على ذراعِه.
فَرِحَ كثيراً.
مُنذُ الآن،
سيُعلنون عن حُضورِهم
دونَ الإضطرار إلى صفعِه !

(38)

أكثرُ ما يُضايقهُ
أنّهُ محروم
من وضعِ قبضتهِ العالية
في يدِ طفل !

(39)

هُم عيّنوهُ حارِساً.
لماذا، إذن،
يمنعونَهُ من تأديةِ واجِبه ؟
ينظرُ بِحقد إلى لافتة المحَل:
(نفتَحُ ليلاً ونهاراً) !

(40)

- أمّا أنا.. فلا أسمحُ لأحدٍ باغتصابي.
هكذا يُجمِّلُ غَيْرتَه
الحائطُ الواقف بينَ الباب والنافذة.
لكنَّ الجُرذان تضحك !

(41)

فَمُهُ الكسلان
ينفتحُ
وينغَلِق.
يعبُّ الهواء وينفُثهُ.
لا شُغلَ جديّاً لديه..
ماذا يملِكُ غيرَ التثاؤب ؟!

(42)

مُعاقٌ
يتحرّكُ بكرسيٍّ كهربائي..
بابُ المصعد !

(43)

هذا الرجُلُ لا يأتي، قَطُّ،
عندما يكونُ صاحِبُ البيتِ موجوداً !
هذهِ المرأةُ لا تأتي، أبداً ،
عندما تكونُ رَبَّةُ البيتِ موجودة !
يتعجّبُ بابُ الشّارع.
بابُ غرفةِ النّوم وَحدَهُ
يعرِفُ السّبب !

(44)

( مُنتهى الإذلال.
لم يبقَ إلاّ أن تركبَ النّوافِذُ
فوقَ رؤوسنا.)
تتذمّرُ
أبوابُ السّيارات !

(45)

- أنتَ رأيتَ اللصوصَ، أيُّها الباب،
لماذا لم تُعطِ أوصافَـهُم؟
- لم يسألني أحد!

(46)

تجهلُ تماماً
لذّةَ طعمِ الطّباشير
الذي في أيدي الأطفال،
تلكَ الأبوابُ المهووسةُ بالنّظافة !

(47)

- أأنتَ متأكدٌ أنهُ هوَ البيت؟
- أظُن..
يتحسّرُ الباب:
تظُنّ يا ناكِرَ الودّ ؟
أحقّاً لم تتعرّف على وجهي ؟!

(48)

وضعوا سعفتينِ على كتفيه.
- لم أقُم بأي عملٍ بطولي.
كُلُّ ما في الأمر
أنَّ صاحبَ البيتِ عادَ من الحجّ.
هل أستحِقُّ لهذا
أن يمنحَني هؤلاءِ الحمقى
رُتبةَ ( لواء ) ؟!

(49)

ليتسلّلْ الرّضيع ..
لتتوغّلْ العاصفة ..
لا مانعَ لديهِ إطلاقاً.
مُنفتِح !

(50)

الجَرسُ الذي ذادَ عنهُ اللّطمات..
غزاهُ بالأرق.
لا شيءَ بلا ثمن!

(51)

يقفُ في استقبالِهم.
يضعُ يدَهُ في أيديهم.
يفتحُ صدرَهُ لهم.
يتنحّى جانباً ليدخلوا.
ومعَ ذلك،
فإنَّ أحداً منهُم
لم يقُلْ لهُ مرّةً:
تعالَ اجلسْ معنا!

(52)

في انتظار النُزلاء الجُدد..
يقفُ مُرتعِداً.
علّمتهُ التّجرُبة
أنهم لن يدخلوا
قبل أن يغسِلوا قدميهِ
بدماءِ ضحيّة !

(53)

(هذا بيتُنـا)
في خاصِرتي، في ذراعي،
في بطني، في رِجلي.
دائماً ينخزُني هذا الولدُ
بخطِّهِ الرّكيك.
يظُنّني لا أعرف !

(54)

(الولدُ المؤدَّب
لا يضرِبُ الآخرين.)
هكذا يُعلِّمونهُ دائماً.
أنا لا أفهم
لماذا يَصِفونهُ بقلَّةِ الأدب
إذا هوَ دخلَ عليهم
دون أن يضربَني ؟‍!

(55)

- عبرَكِ يدخلُ اللّصوص.
أنتِ خائنةٌ أيتها النّافذة.
- لستُ خائنةً، أيها الباب،
بل ضعيفة !

(56)

هذا الّذي مهنتُهُ صَدُّ الرّيح..
بسهولةٍ يجتاحهُ
دبيبُ النّملة !

(57)

(إعبروا فوقَ جُثّتي.
إرزقوني الشّهادة.)
بصمتٍ
تُنادي المُتظاهرين
بواّبةُ القصر !

(58)

في الأفراح أو في المآتم
دائماً يُصابُ بالغَثيان.
ما يبلَعهُ، أوّلَ المساء،
يستفرغُهُ، آخرَ السّهرة !

(59)

اخترقَتهُ الرّصاصة.
ظلَّ واقفاً بكبرياء
لم ينـزف قطرةَ دَمٍ واحدة.
كُلُّ ما في الأمر أنّهُ مالَ قليلاً
لتخرُجَ جنازةُ صاحب البيت !

(60)

قليلٌ من الزّيت بعدَ الشّتاء،
وشيءٌ من الدُّهن بعد الصّيف.
حارسٌ بأرخصِ أجر!

(61)

نحنُ ضِمادات
لهذه الجروح العميقة
في أجساد المنازل!

(62)

لولاه..
لفَقدتْ لذّتَها
مُداهماتُ الشُّرطة!

(63)

هُم يعلمون أنهُ يُعاني من التسوّس،
لكنّ أحداً منهم
لم يُفكّر باصطحابِهِ إلى
طبيب الأسنان!

(64)

- هوَ الذي انهزَم.
حاولَ، جاهِداً، أن يفُضَّني..
لكنّني تمنَّعْتُ.
ليست لطخَةَ عارٍ،
بل وِسامُ شرَف على صدري
بصمَةُ حذائه !

(65)

- إسمع يا عزيزي ..
إلى أن يسكُنَ أحدٌ هذا البيت المهجور
إشغلْ أوقات فراغِكَ
بحراسة بيتي.
هكذا تُواسيهِ العنكبوت !

(66)

ما أن تلتقي بحرارة الأجساد
حتّى تنفتحَ تلقائيّاً.
كم هي خليعةٌ
بوّاباتُ المطارات!

(67)

- أنا فخورٌ أيّتُها النافذة.
صاحبُ الدّار علّقَ اسمَهُ
على صدري.
- يا لكَ من مسكين !
أيُّ فخرٍ للأسير
في أن يحمِل اسمَ آسِرهِ ؟!

(68)

فكّوا قيدَهُ للتّو..
لذلكَ يبدو
مُنشرِحَ الصَّدر!

(69)

تتذمّرُ الأبواب الخشبيّة:
سَواءٌ أعمِلنا في حانةٍ
أم في مسجد،
فإنَّ مصيرَنا جميعاً
إلى النّار !

(70)

في السّلسلةِ مفتاحٌ صغيرٌ يلمع.
مغرورٌ لاختصاصهِ بحُجرةِ الزّينة.
- قليلاً من التواضُعِ يا وَلَد..
لولايَ لما ذُقتَ حتّى طعمَ الرّدهة.
ينهرُهُ مفتاحُ البابِ الكبير‍!

(71)

يُشبه الضميرَ العالمي.
دائماً يتفرّج، ساكتاً، على ما يجري
بابُ المسلَخ!

(72)

في دُكّان النجّار
تُفكّرُ بمصائرها:
- روضةُ أطفال ؟ ربّما.
- مطبخ ؟ مُمكن.
- مكتبة ؟ حبّذا.
المهمّ أنها لن تذهبَ إلى السّجن.
الخشَبُ أكثرُ رقّة
من أن يقوم بمثلِ هذه المهمّة !

(73)

الأبوابُ تعرِفُ الحكايةَ كُلَّها
من ( طَقْ طَقْ )
إلى ( السَّلامُ عليكم)

19
يناير

إبراهيم أبانمي .. أحمد مطر السعودي!

من حسنات معرض الكتاب الأخير -على قلتها هذه المرة!- صدور العمل الأول للأديب إبراهيم بن محمد أبانمي الذي حمل على صدره عنواناً معبراً (عشب يتفيأ ظلاله) وكأنه يقصد بالعشب نصوصه الثائرة التي انتشرت بأناقة في طيات كتابه التي تلامس صفحاته الثمانين تقريباً.

المثير في هذا الكتاب أمور كثيرة، منها الفكرة الرئيسة التي قام عليها الكتاب، مقطوعات نثرية أو شعرية، بعضها أشلاء قصيدة!، جاءت مكثفة تحمل بين حروفها القليلة معاني كثيرة وعميقة.. وكذلك البناء العام لتلك النصوص التي اعتمد فيها البعد عن التقليدية في الطرح، والجرأة أحياناً في لمس الخطوط والتعرض لها بطريقة غير مألوفة.

إبراهيم أبانمي في تجربته فتح باباً للمقطوعات القصيرة التي قد يكتبها العديد من الأدباء ولكنهم يتحرجون في طرحها كونها قصيرة ولا ترضي طموح العديد من القراء، بينما في هذا العمل أعتقد أن الكاتب وجه رسالة إلى الأدباء ألا تملأ الأوراق بأي كلام وأي قصة والسلام!

نصوص أبانمي تطرقت لعدة موضوعات، كانت متحررة من كل قيد.. فلا حبكة في قصصها، ولا قافية في قصائدها، لا سجع في مقاماتها، وتعقيد في أحاجيها، يبدأ أول نص بقوله: (أصابه مغص في رأسه.. كان مليئاً بالفضلات! وخرجت رواية..)، نص نقدي أكثر مما هو أدبي، فهو ينظر لواقع الرواية حالياً والذي لا يسر البعض، ومفاتيح النص كانت (مغص) و(فضلات) فشرحت لنا رؤية الكاتب، وغير ذلك من النصوص تلحظ فيها أنه تطرق نقدي، فهي عبارة أدبية في شكلها العام ولكن تحمل في مضامينها الداخلية مبادئ نقدية ووجهة نظر الكاتب.

ونجد أيضاً عدداً من المظاهر التي تتفق فيها بعض النصوص مع اختلاف مدة كتابتها في حدود خمس سنوات كما ذكرها الكاتب، فهناك مثلاً القضية الإنسانية، ونقد جنس الإنسان بالعديد من العبارات نحو:

(إنسان يقول:

ليس مهماً ألا أشبع..

المهم ألا تشبع أنت!)

وأيضاً:

((الذئب) لا يأكل أخاه

(الذئب) وليس الإنسان…)

فهذه عبارات أو (طلقات) من بين مخزن أسلحة تحويه طيات هذا الكتاب الذي يكاد أن يرن أمام أجهزة التفتيش في المطارات!، يبدأ ناقداً هذا الإنسان، ويصل إلى الإنسان الصديق الذي يرجو ألا يطعنه فجأة! ثم يصل إلى الناس والطبقية بينهم حتى يصل إلى الأدباء ويبدأ يبحر بينهم، بين التقليديين والحداثيين، ويبدأ (يلسع) بعباراته، مؤلمة ولكنها لا تقتل!

ولأن النصوص غير مرتبة بحسب موضوعاتها وقد يكون المؤلف رتبها بطريقة ما! فإنك لا تكتشف الموضوعات الرئيسة إلا بعد أن تقرأ عبارة مشابهة، فتتجمع المتشابهات لديك وتنتهي من قراءة الكتاب وأمامك مادة أدبية نقدية اجتماعية سياسية فلسفية دسمة جداً.

ففي السياسة تطرق كثيراً لقضية فلسطين بشكل خاص وعن العرب بشكل عام، فتجده في نص معبر يقول: (جربنا كل الألوان في رسم خارطة فلسطين.. لم يجدِ إلا الأحمر..).

نص معبر يختزل مقالات عديدة تبين كيف تعيش بين سماء مليئة بالصواريخ وأرض تنقع بالدماء، ولم يغفل أيضاً عن القضية السياسية و(شرهم من يبدأ بالسلام!).

ويقول في نص سياسي حارق: (قد يكون اليوم مشؤوماً

لا أدري لماذا حرمنا العم سام من صفعة الصباح!)

(هم أكثر منا حضارة..

يلعنوننا بلطف، ويقتلوننا برقة)

وبالطبع لا تخلو النصوص من السخرية كقوله: (حينما أخبره والده بقرب أجله..

بكي.. واشترى كفناً.. وحفر قبراً

… وفتح حساباً في البنك.)

وإن كانت النصوص تتفاوت في هذه الموضوعات وغيرها فإنه لا ينسى علاقته الوثيقة بالشعر كونه أحد من جرب امتطائها فتأتي (طلقاته) معبرة (مسكين الشعر!

مازلتم تقرضونه حتى انقرض..)

هذه عينات يسيرة من نصوص أبانمي التي تطرقت لكل شيء، وأبدى رأيه في كل حدث يعبث بالألفاظ ويستفيد منها نحو (القصعة ملأى بالأجساد

لذلك تداعت الأمم.. المتحدة..) و(العلم صيد..والصيد محرم في الحرم..الجامعي!) و(… بأية حال..؟وأخبار صباح العيد:مقتل.. مقتل.. مقتل..)

وأمام عبارات ارتكزت على (المرآة) وعن حالة العرب المزرية، هذا الإنتاج الذي تميز به أبانمي وأحسب أنه من أوائل الذين يكتبون بهذه الطريقة وبهذا الطريق الشامل، فتقرأ النص على صغر حجمه إلا أنه يحظى بعناية خاصة، فعلامات الترقيم لها دلالة نحو (…) علامة الحذف تعطي بعداً فنياً وعلامة الاستفهام والتعجب أخذت نصيبها في نصوص أبانمي، مدركاً أن هذه العلامات التي لا يجيد استخدامها بعض الكتاب، لها وقع وأهمية واضحة في إعطاء تصور ونظرة مختلفة لدى مختلف القراء.

من مميزات نصوص أبانمي هي الغموض والألغاز التي تكتنف بعضها، فتقرأها مرة ومرتين فلا تعرف ماذا يقصد ورائها، أو يقوم بالتورية في بعض معانيها الحساسة، وذلك لأن الصراحة أحياناً تكون صعبة أو كما قال في نصٍ (لكن طعم الحق مرير).

وأرى أنها -وإن كانت تجربة فريدة- تستحق أن نقف أمامها ونشيد بإقدام الكاتب ودعم النادي الأدبي، لكن يجب أن تكون (الطلقات) القادمة (قذائف) حارقة، فقوة النصوص أيضاً في طولها واتساعها وتسخير العديد من العبارات والتشبيهات والخدع اللفظية لتجذب القارئ معك في نصٍ واحد أطول وقت ممكن.

وأعود لما ذكرته أن هذه النصوص تحمل مفاجآت الشاعر العراقي المعروف (أحمد مطر) وسخريته أحياناً، فهو شاعر يبني القصيدة بشكل سهل تشعر فيها بهدوء النص، ثم ما إن يصل لنهايتها حتى يفاجئك بنهاية غير متوقعة تعطيك هدف الموضوع كله.

وإن كان أبانمي يتفق مع مطر في المفاجأة والسخرية اللاذعة الممزوجة بالأسى نوعاً ما، فإن لدى أبانمي نفس أصيل يمكنه التعرض للعديد من القضايا بوجهة نظره الخاصة، وبعبارات محددة دقيقة، لذلك لا أرى حرجاً في كون أبانمي يمثل أحمد مطر الشعر السعودي نظراً لهذه المقطوعات الجميلة التي تعد بعضها شطر بيت شعري.

واختم أخيراً بألا يبدأ بعض النقاد بشحذ سيوفهم انتقاداً لهذا الإصدار لقلة عباراته من جهة ونمطها الجديد من جهة أخرى، بل الأحرى إبراز الجوانب الإيجابية والسلبية في ذات النصوص، وعليهم ترقب نزول إصدارات جديدة تحمل نفس النمط! فأبانمي أعطى فكرة جديدة لمن يرغب بالكتابة علهم أن يتركوا الرواية في حالها كي لا يشعروا بالمغص وتظهر فضلاتهم!!

وبالمناسبة ، فهذه التدوينة سبق أن نشرت في إحدى الصحف المحلية بعد أن رفضتها الصحيفة الأخرى لحجة في نفس محررها أن مدحي للكاتب غير طبيعي وأنا قد عهد علي “الحش” قدر الإمكان! ، سامحهم الله وسامح الله صحيفتهم التي كانت مشرقة في قلب “الرياض” .

بالمناسبة: في ظل زخم الإصدارات المنهمر في المكتبات، أجد نفسي واثقاً وأنا أقول: أن هذا الكتاب يستحق القراءة فعلاً !.

تحديث: تم إضافة الكتاب في متجر صاحب، يسعدني مشاركتكم لي المتعة !