
قرأت قديماً كتاباً يتحدث عن الانماط السياسية في الدول، وشبهها بالأشكال الهندسية، فمنها الدولة الدائرية التي تحكم بشكل ديكتاتوري بحيث يكون مركز الدائرة هو الرئيس ، أو أن تكون الدولة مربعة تتكون من: رئيس، شعب، مجلس وزراء، البرلمان
وهناك الدول المثلثة، ( وأرى منها السعودية) ، والتي تتكون من : ملك ، شعب، نظام ديني
وحقيقة أثارني في الموضوع أن الدول المربعة تكون في الغالب مطبقة للنظام الليبرالي والانفتاحي بشكل كبير، إذ أن البرلمان لديهم يمثله نسبة من المثقفين وذوي الخبرة، وليست مثل مجلس الشورى عندنا الذي يتشكل باعتبارات مناطقية أو ” تكريمية” بنسبة واضحة، بالطبع دون نسيان الخلفية الأكاديمية والعملية والمالية.
ما الذي يمكن أن نفهمه في هذا الموضوع ؟
إن الدولة السعودية أعطت اهتماماً كبيراً بالجانب الديني وهذا ملاحظ بوجود مؤسسات الدولة التي ترتبط بالملك مباشرة ( هيئة الأمر بالمعروف، رئاسة الحرمين، مجلس القضاء، وزارة العدل، وزارة الشؤون الإسلامية، مصلحة الزكاة والدخل … )
وهذا الأمر يقلق بعض ” المتفتحين الجدد” الذين يرون بأن رجال الدين لا يصلحون لقيادة الدولة أو تسييرها، فلذلك تبدأ الإثارة في الصحف والمواقع ومحاولة تتبع أخطائهم، وحقيقة ليس الهدف الأساسي إسقاط هذه الفئة من المجتمع بقدر ما هي رغبة في استحداث ضلع رابع ممكن أن نسميه ” مجازاً ” حزب اليسار ( على افتراض أن الحزب اليمين متشدد في أغلب الأحزاب السياسية وهو يرمز أيضاً للمتمسكين بثوابت مثل الكنيسة أو المسجد … ، أما حزب اليسار فهو يرمز لليبراليين والمتفتحين الذين لا يقيدهم أي شيء إلا النظام أو الدستور)
ولذلك يمكن أن نرمز ” افتراضاً” أن الممثلين للجانب الديني يعدون ” يميناً ” ، والممثلين للتيار المتحرر ” يساراً ” ، ونتأمل في الشكل الجديد للدولة!
أشار فوكوياما ” على ما اعتقد” في إحدى عباراته: ” إن الدولة التي تبنى على أساس محدد لا يمكن تغييره إلا بعد سقوطها ! “، فهو شبهها بالعمارة التي لها أساس فلا يمكن أن تعدل في المبنى أو تزيد وتنقص متجاوزاً هذا الأساس، فلو رغبت أن تقوم بتعديلات جوهرية فلن تجد حلاً إلا أن تهدم هذا البيت ومن ثم يتم تشكيله.
لذلك فأكثر المتحفظين سواء في النظام السياسي أو ” المفكرين الإسلاميين الفاهمين” يعرفون تماماً بأن الدولة المثلثة لا يمكن أن تكون مربعة بأي شكل! ، فهناك مشكلة ستحدث، وفي حال أن المجال متاح لذلك فإن هذا سيؤدي إلى خلل في النظام السياسي وطريقة سير الدولة.. وبالتالي يستلزم الأمر ” سقوط الدولة” ثم تبنى من جديد وفق القيادة القادمة على أساس (مربع).
كلنا نعلم بأن الدولة السعودية بنيت باتفاق الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وابن سعود، على نصرة الدين وإعلاء الإسلام الصحيح الخالي من البدع والشركيات، وكذلك قامت الدولة باختلاف ملوكها على هذا المبدأ دون أي تزحزح، ولذلك جعلت دستورها الكتاب والسنة ( مع العلم أن بريطانيا أعظم دولة ديموقراطية لا يوجد لديها دستور “مكتوب! ” ) وأعلنت ذلك صراحة ودعمت هذا التوجه بإنشاء مساجد ودعم العلم الشرعي وغيرها الكثير .
في المقابل يشعر البعض أن هناك ” قصور” في تعزيز هذا الجانب، أو أن هناك تجاهل أو “ضعوا أي صفة” جعلت المجتمع يشعر بأن هذا الإهتمام قل عن السابق …
لم يكن الموضوع ملفتاً بشكلٍ كبير بالنسبة لي، لكن من يعرف المجتمع السعودي سيعلم بأنه مر بتحولات فكرية من 20 عاماً أو قبلها، شهدت ظهور الماركسية والشيوعية ثم ظهر العصر السلفي والآن يؤذن بعصر الانفتاح والحرية! فهذه تشكيلات مختلفة تسببت في اهتزاز السفينة السعودية وتلاعبها بين الامواج.
أذكر أنني أدرت نقاشاً – أثار لي هذا الموضوع – مع أحد كتاب السياسة فذكر وجهة نظر غريبة! ربما تفسر سبب ظهور نداءات الحرية ” التي لم تكن معهودة منذ سنوات” فقال بتصرف:
إن التيار الديني لم يكتفِ بمكانته ( وهو أحد الزوايا الثلاث) وحاول أن يتعداها إلى أن يسيطر على الشعب ، بحيث أن تكون الدولة في مواجهة شعب هو يمثل التيار الديني، لا توجد ثمة مشكلة في ذلك عدا أنها تسبب اختلالاً في ميزان القوة، فالدولة المثلثة تقوم على الشعب والتيار الديني كقاعدة أساسية له ورأس الهرم للدولة والحكومة، ولكن في الأخير لا يمكن أن يفرضا شيئاً على الدولة .. لكن لو اتحدتا وأصبحتا تشكلان قوة واحدة ربما تسببت في إشكالية المواجهة الصريحة مع الدولة ( باعتبار أن 90% من أفراد الدولة شعب لديهم توجه ورأي موحد).
إذن ما الحل ؟!
كان بتقليل الانتشار وسحب بعض الصلاحيات للتيار الديني عبر إثارة ” أعدائه !” ومن أبرز أعداء التيار الديني .. الداعين إلى الحرية والاختلاط وحرية المرأة وقيادتها للسيارة والسينما و غيرها.
هل ما نلاحظه الآن في الإعلام هو نتيجة ” تحريض” أو ” تخفيف” قيود كانت مفروضة ؟! ، لا يمكن أحد أن يجزم بأن يؤكد هذه المعلومات، إذ أننا نجد أحياناً أن هناك بعض القرارات المتناقضة لصالح الطرفين ( اليمين واليسار ) في أن تكون السينما حاضرة ثم تأتي الأوامر برفضها .. أو حينما نجد كثيراً من قيادات السياسة يرفضون توجهات للإعلام أو الصحافة وهم أبرز داعميها أو يملكون سلطة إيقافها! ولكن لا يتم ذلك؟!
هل هي محاولة إرضاء التيار الديني ؟!
هل المقصود انحسار التيار إلى نقطته التي يفترض ألا يتجاوزها ( الدين والتوعية والإرشاد وما يمس الدين) وترك المظاهرات وتهييج الناس بالخطب والمنشورات وعبر المواقع؟!
لا شك أن هناك تغييرات ” فرضت” على كثير من المتشددين لتغيير تعاملهم وطبائعهم، إذ أن الهيئة الآن ليست بسلطة ” وقسوة ” الهيئة منذ 10 سنوات مثلاً ، التبرعات لم تعد متاحة كما كانت في السابق … أشياء كثيرة تغيرت وفي المقابل ظهرت فلسفة جديدة …
يمكنك أن تنتقد وأن تبدي وجهة نظرك بكل صراحة دون الخوف من شبح ” المباحث” ، ولعلي أستشهد بقصة الأمير نايف بن عبدالعزيز وتصريحه الشهير ضد صحيفة الوطن، فقام بعض مدعي الانفتاح والليبرالية بإطلاق هذا التصريح وتشهيره عالمياً ليحضوا بتأييد من أمريكا أو من الجمعيات الحقوقية في العالم ( وأذكر أنني ناقشت عدداً من مدعي الليبرالية وهاجموا هذا التصريح الذي أدعوه قمعاً و و و )
الغريب والمضحك أن الجمعيات الأجنبية صفقت بحرارة لتصريح الأمير ! ليس لأنه ضد الوطن ، بل لأن الرجل الثالث في الدولة + وزير الداخلية + رئيس المجلس الأعلى للإعلام، ينتقد صحيفة ولم ينفذ خطوة ضدهم؟! فلم تقفل الصحيفة، ولم يقال رئيس التحرير ( بل قابله في حفل تكريم أهل مكة للأمير نايف بمناسبة زيارته )
هذه الخطوة بدت مهمة جداً بعكس السائد لدى الأوساط بأن ( الشيوخ) لو زعلوا لأقاموا الدنيا ولم يقعدوها ، “ربما” الزعل لم يكن كبيراً هذه المرة، لكنها رسالة خطيرة وصلت لعقول الناس (الفاهمة) ، ومع الإعتذار لبعض المدونين والأصدقاء الذين يحاولون الدخول في معمعة التأثير على القرار السياسي عبر الناشطين والوقوف أمام كل قرارات الدولة فهذا لم يأتِ دوره بعد ونحتاج لسنوات يمكن أن يظهر فيها مجال للحديث عن هذا الموضوع مثلما الآن أصبحنا نعيش في حرية إبداء الرأي ” الواقعي” دون خوف !
أعود للنقطة الأساسية …
ربما على المنفتحين الجدد، والذين يحملون اللواء الليبرالي أن يفكروا جدياً في وضعهم الحالي، فهم يعدون ثلة قليلة مقابل الجمهور الشعبي الكبير، لذلك فإن محاولة لوضع مكانة رئيسية لهم تمثل ( ضلعاً رابعاً) أشبه ما تكون بـ ” المستحيلة ” ، لكن في المقابل يجب أن يستغلوا المساحة المفردة لهم بالتعاطي مع القضايا والصراع مع التيار المحافظ مثلاً للخروج بنتائج ترضي جميع الأطراف، أعرف بعض الأصدقاء ممن ينتمون للتيار المحافظ ولديهم تحفظات كثيرة على شيوخهم ، وعلى النمط السائد لديهم ، لكن لو حاولوا مواجهتهم لخسروا المعركة منذ البداية .. لهذا فوجود تيار معارض سوف يسهم في تكسير الحواجز والجدران الزائدة والبقاء على الأركان الأساسية.. أو بمعنى أدق : إعادة التيار الديني لزاويته وتخليص الشعب من التأثير الكامل على قراراته.
متى نفهم أن الدين الإسلامي هو أبسط بكثير مما يعتقده الكثير من الذين يدافعون عنه بجهل ، وهو أكثر أهمية في نظر من يرون الدين الإسلامي شعار يجب أن يغير ويستبدل بالليبرالية ؟!
أخيراً .. الدين الإسلامي هو الحل الناجح لأنه جاء من صانع الإنسان وهو يعرف خصائصه … أي شخص آخر لا يمكن أن يتقن وضع خصائص بديلة لأنه يجهل الكثير من خصائص النفس البشرية …
في المقابل يجب ألا نستغل هذه الميزة ونوظف أشياء سلبية وتعصبات وإضافات ليس لها سلطان قد تشوه سمعة هذا الدين.. فنستغل الدين غطاءً يخول لنا التحكم في حياة الآخرين و “فرض” آراء وسياسات باسم هذا الدين وتخويفهم بأن أي رفض لهذا التوجه يعد رفض للدين! أو حتى تقويضهم للإرهاب باسم الدين وهو منه بريء !
بالمناسبة أي دولة تعيش مثل هذا التنوع الثقافي طوال تلك السنين وتحافظ على أساسها دون أن يمسه شيء، انتصار كبير بالنظر طبعاً للدول المجاورة لنا والتي تعصف بها هذه التيارات الثقافية وأفقدت ” بعضها” تاريخها وخلفيتها السابقة.
سؤال لا احتاج إجابة عليه لكن فكروا به !
متى نفهم أننا نعيش في عصر اسمه السعودية !؟