التدوينات الموسومة بـ ‘كتاب’

19
يناير

إبراهيم أبانمي .. أحمد مطر السعودي!

من حسنات معرض الكتاب الأخير -على قلتها هذه المرة!- صدور العمل الأول للأديب إبراهيم بن محمد أبانمي الذي حمل على صدره عنواناً معبراً (عشب يتفيأ ظلاله) وكأنه يقصد بالعشب نصوصه الثائرة التي انتشرت بأناقة في طيات كتابه التي تلامس صفحاته الثمانين تقريباً.

المثير في هذا الكتاب أمور كثيرة، منها الفكرة الرئيسة التي قام عليها الكتاب، مقطوعات نثرية أو شعرية، بعضها أشلاء قصيدة!، جاءت مكثفة تحمل بين حروفها القليلة معاني كثيرة وعميقة.. وكذلك البناء العام لتلك النصوص التي اعتمد فيها البعد عن التقليدية في الطرح، والجرأة أحياناً في لمس الخطوط والتعرض لها بطريقة غير مألوفة.

إبراهيم أبانمي في تجربته فتح باباً للمقطوعات القصيرة التي قد يكتبها العديد من الأدباء ولكنهم يتحرجون في طرحها كونها قصيرة ولا ترضي طموح العديد من القراء، بينما في هذا العمل أعتقد أن الكاتب وجه رسالة إلى الأدباء ألا تملأ الأوراق بأي كلام وأي قصة والسلام!

نصوص أبانمي تطرقت لعدة موضوعات، كانت متحررة من كل قيد.. فلا حبكة في قصصها، ولا قافية في قصائدها، لا سجع في مقاماتها، وتعقيد في أحاجيها، يبدأ أول نص بقوله: (أصابه مغص في رأسه.. كان مليئاً بالفضلات! وخرجت رواية..)، نص نقدي أكثر مما هو أدبي، فهو ينظر لواقع الرواية حالياً والذي لا يسر البعض، ومفاتيح النص كانت (مغص) و(فضلات) فشرحت لنا رؤية الكاتب، وغير ذلك من النصوص تلحظ فيها أنه تطرق نقدي، فهي عبارة أدبية في شكلها العام ولكن تحمل في مضامينها الداخلية مبادئ نقدية ووجهة نظر الكاتب.

ونجد أيضاً عدداً من المظاهر التي تتفق فيها بعض النصوص مع اختلاف مدة كتابتها في حدود خمس سنوات كما ذكرها الكاتب، فهناك مثلاً القضية الإنسانية، ونقد جنس الإنسان بالعديد من العبارات نحو:

(إنسان يقول:

ليس مهماً ألا أشبع..

المهم ألا تشبع أنت!)

وأيضاً:

((الذئب) لا يأكل أخاه

(الذئب) وليس الإنسان…)

فهذه عبارات أو (طلقات) من بين مخزن أسلحة تحويه طيات هذا الكتاب الذي يكاد أن يرن أمام أجهزة التفتيش في المطارات!، يبدأ ناقداً هذا الإنسان، ويصل إلى الإنسان الصديق الذي يرجو ألا يطعنه فجأة! ثم يصل إلى الناس والطبقية بينهم حتى يصل إلى الأدباء ويبدأ يبحر بينهم، بين التقليديين والحداثيين، ويبدأ (يلسع) بعباراته، مؤلمة ولكنها لا تقتل!

ولأن النصوص غير مرتبة بحسب موضوعاتها وقد يكون المؤلف رتبها بطريقة ما! فإنك لا تكتشف الموضوعات الرئيسة إلا بعد أن تقرأ عبارة مشابهة، فتتجمع المتشابهات لديك وتنتهي من قراءة الكتاب وأمامك مادة أدبية نقدية اجتماعية سياسية فلسفية دسمة جداً.

ففي السياسة تطرق كثيراً لقضية فلسطين بشكل خاص وعن العرب بشكل عام، فتجده في نص معبر يقول: (جربنا كل الألوان في رسم خارطة فلسطين.. لم يجدِ إلا الأحمر..).

نص معبر يختزل مقالات عديدة تبين كيف تعيش بين سماء مليئة بالصواريخ وأرض تنقع بالدماء، ولم يغفل أيضاً عن القضية السياسية و(شرهم من يبدأ بالسلام!).

ويقول في نص سياسي حارق: (قد يكون اليوم مشؤوماً

لا أدري لماذا حرمنا العم سام من صفعة الصباح!)

(هم أكثر منا حضارة..

يلعنوننا بلطف، ويقتلوننا برقة)

وبالطبع لا تخلو النصوص من السخرية كقوله: (حينما أخبره والده بقرب أجله..

بكي.. واشترى كفناً.. وحفر قبراً

… وفتح حساباً في البنك.)

وإن كانت النصوص تتفاوت في هذه الموضوعات وغيرها فإنه لا ينسى علاقته الوثيقة بالشعر كونه أحد من جرب امتطائها فتأتي (طلقاته) معبرة (مسكين الشعر!

مازلتم تقرضونه حتى انقرض..)

هذه عينات يسيرة من نصوص أبانمي التي تطرقت لكل شيء، وأبدى رأيه في كل حدث يعبث بالألفاظ ويستفيد منها نحو (القصعة ملأى بالأجساد

لذلك تداعت الأمم.. المتحدة..) و(العلم صيد..والصيد محرم في الحرم..الجامعي!) و(… بأية حال..؟وأخبار صباح العيد:مقتل.. مقتل.. مقتل..)

وأمام عبارات ارتكزت على (المرآة) وعن حالة العرب المزرية، هذا الإنتاج الذي تميز به أبانمي وأحسب أنه من أوائل الذين يكتبون بهذه الطريقة وبهذا الطريق الشامل، فتقرأ النص على صغر حجمه إلا أنه يحظى بعناية خاصة، فعلامات الترقيم لها دلالة نحو (…) علامة الحذف تعطي بعداً فنياً وعلامة الاستفهام والتعجب أخذت نصيبها في نصوص أبانمي، مدركاً أن هذه العلامات التي لا يجيد استخدامها بعض الكتاب، لها وقع وأهمية واضحة في إعطاء تصور ونظرة مختلفة لدى مختلف القراء.

من مميزات نصوص أبانمي هي الغموض والألغاز التي تكتنف بعضها، فتقرأها مرة ومرتين فلا تعرف ماذا يقصد ورائها، أو يقوم بالتورية في بعض معانيها الحساسة، وذلك لأن الصراحة أحياناً تكون صعبة أو كما قال في نصٍ (لكن طعم الحق مرير).

وأرى أنها -وإن كانت تجربة فريدة- تستحق أن نقف أمامها ونشيد بإقدام الكاتب ودعم النادي الأدبي، لكن يجب أن تكون (الطلقات) القادمة (قذائف) حارقة، فقوة النصوص أيضاً في طولها واتساعها وتسخير العديد من العبارات والتشبيهات والخدع اللفظية لتجذب القارئ معك في نصٍ واحد أطول وقت ممكن.

وأعود لما ذكرته أن هذه النصوص تحمل مفاجآت الشاعر العراقي المعروف (أحمد مطر) وسخريته أحياناً، فهو شاعر يبني القصيدة بشكل سهل تشعر فيها بهدوء النص، ثم ما إن يصل لنهايتها حتى يفاجئك بنهاية غير متوقعة تعطيك هدف الموضوع كله.

وإن كان أبانمي يتفق مع مطر في المفاجأة والسخرية اللاذعة الممزوجة بالأسى نوعاً ما، فإن لدى أبانمي نفس أصيل يمكنه التعرض للعديد من القضايا بوجهة نظره الخاصة، وبعبارات محددة دقيقة، لذلك لا أرى حرجاً في كون أبانمي يمثل أحمد مطر الشعر السعودي نظراً لهذه المقطوعات الجميلة التي تعد بعضها شطر بيت شعري.

واختم أخيراً بألا يبدأ بعض النقاد بشحذ سيوفهم انتقاداً لهذا الإصدار لقلة عباراته من جهة ونمطها الجديد من جهة أخرى، بل الأحرى إبراز الجوانب الإيجابية والسلبية في ذات النصوص، وعليهم ترقب نزول إصدارات جديدة تحمل نفس النمط! فأبانمي أعطى فكرة جديدة لمن يرغب بالكتابة علهم أن يتركوا الرواية في حالها كي لا يشعروا بالمغص وتظهر فضلاتهم!!

وبالمناسبة ، فهذه التدوينة سبق أن نشرت في إحدى الصحف المحلية بعد أن رفضتها الصحيفة الأخرى لحجة في نفس محررها أن مدحي للكاتب غير طبيعي وأنا قد عهد علي “الحش” قدر الإمكان! ، سامحهم الله وسامح الله صحيفتهم التي كانت مشرقة في قلب “الرياض” .

بالمناسبة: في ظل زخم الإصدارات المنهمر في المكتبات، أجد نفسي واثقاً وأنا أقول: أن هذا الكتاب يستحق القراءة فعلاً !.

تحديث: تم إضافة الكتاب في متجر صاحب، يسعدني مشاركتكم لي المتعة !

25
أكتوبر

كتاب لمحمد الرطيان ، يقرأه الفقراء ويضحك عليها الأغنياء !

في يوم جميل لا أنساه ، التقيت بصديقي اللطيف الجميل الأنيق : صالح الخليفة ، وتقدم لي بإهداء كتاب اسمه ( كتاب!) للمؤلف محمد الرطيان ، وسأعود للتعريف بهذا الرجل.

سألت صالحاً ذات مرة عن الكتب التي يقرأها الآن فأجاب: أنني أقرأ كتاب لمحمد الرطيان.

فسألته: إلى أين وصلت؟

قال: لا أعرف!

قلت له: كيف لا تعرف ؟

قال: لأني أفتح أي صفحة عشوائية وأقرأ فيها! ، وأتنقل تارة للأمام أو للخلف .

إن الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات، ولكن الإبهار والذهول فيه أنك تستطيع أن تقرأ في الصفحات الأولى وتنتقل للصفحات الأخيرة بدون تنظيم أو تخطيط ولن تشعر بشيء مختلف ، ستقفز معك الضحكة والذهول والإعجاب من مقالة لأخرى، وهذا ما أسميه الإبداع والنجاح الحقيقي مع أن البعض يرى أنها مجرد مقالات منفصلة بذاتها ، ورغم ذلك أرى أنها ليست مقالات عادية!

ستجد ذلك واضحاً حينما تقرأ بداية الكتاب حينما يطلُ برأسه قائلاً:

أما قبل :

هنالك من يضع فوق رأسه ( عمامة ) الشيخ .
وهناك من يرث ( طربوش ) الباشا ، وامواله .
وهناك من يفضّل ( طاقية الاخفاء ) !
وهناك من يختار ( القبعة العسكرية ) .
وهناك من يصحوا من النوم ، ويجد ( التاج ) بجانب سريره !
…………….
…………….
أنا لا يوجد فوق رأسي أيا ً من هذه الاشياء …
أحب ان ادخل الى العالم برأس حـُر !

ويقول في مقدمته

التي لا يسميها مقدمة! :

(1)

أنا لا أحب المقدمات !

أشعر أن الأشياء التي لا ينتبه إليها الناس إلا بعد ضجيج ” المقدمة ” هي أشياء لا تستحق الاهتمام .

ف الأشياء هي التي تُقدم نفسها ..

فأما أن تُقبل .. أو تُرفض ..

فلماذا – أذن – المقدمة ؟!

(2)

ثم ، لماذا – وعبر المقدمة – نتعامل مع أنفسنا على أننا ” صغار ” بحاجة إلى أسم ” كبير ” لكي

يأخذ بأيدينا و ” يقدمنا ” لكم ؟!

(3)

………………

لا أعدكم بأشياء خُرافية ..

ولا ألعاب نارية لغوية ..

ولا أشياء مبتكرة لم يفعلها الأوائل … وأيضا لا يوجد بهذا الكتاب أية ” صُور ” لفتيات حسناوات

مثل اللواتي يظهرن على شاشة التلفاز …

(4)

.. ، ويا عزيزي القاريء :

أكره ما يفعله الزملاء ( الكُتاب ) عندما يصفونك بأشياء ليست فيك

وينافقونك لكي ” يحصلوا عليك ” … وأعتدنا أن نقول لك أننا نُصدر الكتب لأجلك

لا … الحقيقة أننا نصدرها ونطبعها لأجلنا ، ولأرضاء بعضا من غرورنا .

هل قلت في بداية هذه الفقرة ” يا عزيزي ” ؟!.. هذه بعض بقايا النفاق الموجودة لديّ تجاهك !

أنا لا أعرفك .. لماذا أناديك بــ ” يا عزيزي ” ؟

(5)

هذه أشيائي كما هي ، وضعتها في ” كتــاب ” …

فإن أعجبتكم ، لن أشكركم كثيرا ..

وإن لم ترق لكم لن أحزن كثيرا ..

ولا أعدكم بإعادة المبلغ الذي أنفقتموه لشراء الكتاب ..

فإن كان بإستطاعتكم النفاذ بجلدكم ، والاحتفاظ بنقودكم ، فأفعلوها الآن !…

وأعيدوا الكتاب إلى الرف !!

هذه المقدمة هي الكتاب باختصار!
لم يعد بأشياء خرافية ولا بألعاب لغوية ، ولكنه فعلها باقتدار يعجز عن مجاراته أحد .
ولم ينسَ في فقرته الرابعة أن يلكمنا بعنف! بقفاز المجاملة والنفاق ، ليصور لنا شكل الحياة التي نعيشها.

إنه باختصار محمد الرطيان الذي ستتعب وأنت تبحث عن تعريف له، فحتى موقعه الشخصي لم يتضمن تعريفاً به، مكتفياً بآراء الآخرين والتي تعد فعلاً خير تعريف! ، يقال بأن تجربته صقلت في صحيفة الحقائق الدولية، وصحيفة الزمان وسارت به حتى توقف الآن في صحيفة الوطن السعودية ، وكاتباً مقالياً في موقع العربية نت .

وفي “كتاب” لم يخفِ الرطيان تجربته الشعرية حيث كان في السابق شاعراً ، قبل أن ينجرف للمقالة التي أصبحت بحره وساحله، يقول فيها آلامه وآلام الوطن التي لا يحتملها البيت الشعري الخيزراني ، فكل كلمة منه تكسر بيتاً ! لذلك وجد في المقالة ساحلاً لا يشترط وزناً ولا قافية ، ولكنه محاط بحراس الليل ( الرقابة) حيث يشاكسهم في مقالاته فيغلبهم تارة وتارة يغلبونه، حيث يصدق فيه مقولته! التي قالها: بعض (الكتابة) تشبه المراوغة في منطقة الـ(18) لها نتيجتان فقط : تسجيل هدف في شباك الرقابة ، أو الخروج بنقالة !!

إن الاحتفاء بشخصية الرطيان أتت بسبب تلك الرسالة التي كتبها لمجلس الشورى وانتشرت انتشار النار في الهشيم، لما حملته من سخرية لاذعة، إضافة إلى شخصيته الغريبة وبيئته الشمالية التي يتناقل عنها الناس أحاديث عن الإهمال الذي يلقاه ساكنوها، وظهر من أصلابهم صالح الشيحي ومحمد الرطيان ولربما أسمعوا العالم كل مشاكلهم ، وأصبح الرطيان “الشمالي” صوت أهل الشمال الذي لا يتوقف .

نعود للكتاب ..

الكتاب يقع في 223 صفحة، ويحمل الغلاف صورة كبيرة لمحمد الرطيان!
وهو من القطع الكبير ، ربما غير مألوف لكتب من هذا النوع ، لكن الرطيان لم يكفَ عن عبثه حينما كتب بلون أحمر: النسخة السعودية! .
وقسم الكتاب إلى 14 فصلاً ، متناولاً فيه الشأن المحلي والعربي والدولي ولم يدع مكاناً إلا وله فيه طعنة قلم !

ولا يخلو الكتاب من مقتطفات صغيرة لها معاني كبيرة ! ، إنه الكتاب الذي يحكي العالم كما هو دون تزييف الحقائق أو بث الأخبار التي تلاءم الوكالات الإخبارية، إنها ثورة في وجه غير المألوف.

من أقواله:

  • بعض (الكتابة) تشبه المراوغة في منطقة الـ(18) لها نتيجتان فقط : تسجيل هدف في شباك الرقابة ، أو الخروج بنقالة !!
  • التكنولوجيا منحتنا الكثير من العلاات , ولكنها لم تستطع أن تجعلها علاقات صادقة وحقيقية .
    منحتنا السرعة , وأخذت الحب .
  • قبل أن تفكّر بالأشياء التي ستضعها ( فوق ) رأسك .
    فكّر بالأشياء التي دخلت ( في ) رأسك !
  • رأسي : حُّر .. وعاري !
    كل الهواء يأتيه من كل الجهات .

ما شدّني إليه أمور منها:

1- الصراحة الممزوجة بالجرأة في الطرح.

2- قدرته البارعة في التلاعب باللغة وهذا يوحي بثقافته اللغوية.

3- استخدام التلميحات والإشارات الخاطفة ليصل إلى مبتغاه.

4- البعض يرى أن الكتابة في كل موضوع عيب! إلا أرى أنه ميزة للرطيان.

أخيراً .. الكتاب يستحق أن يقرأ وأن يكون رفيقك في البيت والسيارة !  ( غازي بن صاحب القلم :D )

محمد الرطيان هنا:

موقعه الشخصي

موقع خاص بكتابه ( كتاب)

صفحة محمد الرطيان في موقع (العربية نت)

صحيفة الوطن وبعض مقالات محمد الرطيان ( لا أعرف لماذا لا تنشئ صحيفة الوطن ملفاً بمقالات كل كاتب مثل صحيفة الرياض؟ )